السيد الطباطبائي
34
تفسير الميزان
وربما ذكروا لليد معاني مختلفة في اللغة غير الجارحة كالقدرة والقوة والنعمة والملك وغير ذلك ، لكن الحق أن اللفظة موضوعة في الأصل للجارحة ، وإنما استعملت في غيرها من المعاني على نحو الاستعارة لكونها من الشؤون المنتسبة إلى الجارحة نوعا من الانتساب كانتساب الانفاق والجود إلى اليد من حيث بسطها ، وانتساب الملك إليها من حيث التصرف والوضع والرفع وغير ذلك . فما يثبته الكتاب والسنة لله سبحانه من اليد يختلف معناه باختلاف الموارد كقوله تعالى : " بل يداه مبسوطتان " ( الآية ) ، وقوله : " أن تسجد لما خلقت بيدي " ( ص : 75 ) يراد به القدرة وكمالها ، وقوله : " بيدك الخير " ( آل عمران : 26 ) ، وقوله : " فسبحان الذي بيده ملكوت كل شئ " ( يس : 83 ) ، وقوله : " تبارك الذي بيده الملك " ( الملك : 1 ) ، إلى غير ذلك يراد بها الملك والسلطة ، وقوله : " لا تقدموا بين يدي الله ورسوله " ( الحجرات : 1 ) يراد بها الحضور ونحوه . وأما قوله : " ينفق كيف يشاء " فهو بيان لقوله : " يداه مبسوطتان " . قوله تعالى : " وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا " هذه الجملة وما يتلوها إلى آخر الآية كلام مسرود لتوضيح قوله : " وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا " على ما يعطيه السياق . فأما قوله : " وليزيدن كثيرا منهم " ( الخ ) ، فيشير إلى أن اجتراءهم على الله العظيم وتفوههم بمثل قولهم : " يد الله مغلولة " ليس من المستبعد منهم فإن القوم متلبسون بالاعتداء والكفر من قديم أيامهم ، وقد أورثهم ذلك البغى والحسد ، ولا يؤمن من هذه سجيته إذا رأى أن الله فضل غيره عليه بما لا يقدر قدره من النعمة أن يزداد طغيانا وكفرا . واليهود كانت ترى لنفسها السيادة والتقدم على الدنيا ، وكانت تتسمى بأهل الكتاب ، وتتباهى بالربانيين والأحبار وتفتخر بالعلم والحكمة وتسمى سائر الناس أميين ، فإذا رأت قرآنا نازلا على قوم كانت تتذلل لعلمها وكتابها - كما كانت هي الحرمة المراعاة بينها وبين العرب في الجاهلية - ثم أمعنت فيه فوجدته كتابا إلهيا مهيمنا على ما تقدم عليه من الكتب السماوية ، ومشتملا على الحق الصريح والتعليم